الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 - العدد : 4301 لوحة المفاتيح العربية






مرحبا بكم ! أنتم الزائر رقم
6023430
إعلانات تهمك


"المغرب وإفريقيا: العلاقات الروحية والاقتصادية والسياسية"

  

دراسة الكلية المتعددة التخصصات بأسفي برسم الموسم 17-2018

  

احتضنت قاعة المحاضرات بالكلية المتعددة التخصصات بأسفي يوم الثلاثاء 14-11-2017 الدرس الافتتاحي برسم الموسم الجامعي 2017-2018، في موضوع: "المغرب وإفريقيا: العلاقات الروحية والاقتصادية والسياسية " قدمه الباحث الجيلالي العدناني أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة محمد الخامس بالرباط .

 في بداية الجلسة التي أدارها الأستاذ إدريس الخضراوي، تحدث عميد الكلية الدكتور حسن بومكرض على أهمية هذه الجلسة العلمية ، مرحبا في المقام الأول  بالأستاذ المحاضر الدكتور الجيلالي العدناني، شاكرا إياه على تلبية دعوة الكلية لإلقاء الدرس الافتتاحي للموسم الجامعي 2017-2018 ، مبرزا في الوقت ذاته أهمية هذا الموضوع، ليس فقط بالنسبة للباحثين والدارسين المهتمين بالعلوم الاجتماعية، وإنما كذلك بالنسبة لعموم المثقفين والمهتمين العاديين الذين يتابعون الاهتمام المتزايد الذي يبديه المغرب حيال إفريقيا من النواحي الاقتصادية والثقافية والدينية، مشيرا إلى العلاقة المتميزة بين المغرب بإفريقيا ممتدة الى العمق التاريخي ، وهذا ما يستدعي الرجوح إلى التاريخ من أجل فهم أسس هذه العلاقة وتسليط الضوء على مرتكزاتها ولحظاتها القوية التي كان فيها للمغرب حضور راسخ ، خاصة من الناحية الدينية، حيث الدور البارز الذي لعبته

الطرق الصوفية في هذا المجال. وأكد عميد الكلية الدكتور حسن بومكرض ، على  أن التاريخ هو العلم الذي يختص بدراسة الماضي وإعادة بناء المعرفة به ، كما يقول ماروك باروخ ، سواء تعلق الماضي بالإنسان فردا آو جماعة آو مجتمعات ، فانه يتعين هاهنا بوصفه الخطاب العلمي الملائم لفهم أبعاد هذه العلاقة وامتدادها في الزمن الراهن خاصة وان المؤرخ يعتمد المصادر والوثائق ومختلف التفاصيل الشاهدة على الماضي من اجل تسديد معرفة موضوعية ، ولهذا ارتأينا يقول عميد الكلية ، ان يكون الدرس الافتتاحي لهذا الموسم الجامعي في إطار المعرفة التاريخية حتى نتيح للطلبة والمهتمين بهذا الموضوع إمكانات أوسع وأعمق للتفكير والتأمل والبحت .

وخلال مداخلته العلمية ، شدد الأستاذ الجيلالي العدناني على أهمية العمق الإفريقي للمغرب  وان هذه الوضعية ليست مقولة ظرفية أو وليدة الانشغالات السياسية والاقتصادية لمغرب القرن العشرين، فالعلاقات بين شمال إفريقيا وما وراء الصحراء ترجع إلى قرون  كثيرة خلت، وقد جسدتها على مرّ العصور علاقات ووشائج ذات صبغة بشرية وسياسية ودينية واقتصادية. وفي هذا السياق بيّن المحاضر بأن الهدف من الدرس هو إلقاء الضوء على مختلف وجوه هذه العلاقات، وتتبع آثارها على أحوال الدولة والمجتمع في المجالين معا. وقد أبرز الباحث هذه الروابط كما توقف عند التأثيرات المتبادلة بين المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء من خلال التركيز على جوانب كان لها أبرز التأثير في سيرورة الدولة والمجتمع بالمغرب وإفريقيا، من خلال المحورين التاليين:

 

- نشر الإسلام في إفريقيا من خلال المذهبين الخارجي والمالكي إضافة إلى التأثيرات الروحية للتصوف وخاصة مع الطرق الصوفية التي تمكنت من تثبيت الدين الإسلامي وانتشاره بسرعة كبيرة خلافا لزمن الإسلام الذي سعى إلى نشره الفقهاء. ويتصل بالموضوع ما كان للمغرب من دور في بعث ثقافة إسلامية متعددة الوجوه مسّت الثقافة العالمة وعوائد اللباس والتغذية والعمارة  إلخ.

 

وقد ركز الأستاذ العدناني على نموذجين: الطريقة القادرية وخاصة التيجانية  ومدى النجاح الذي تم تحقيقه في بيئة إفريقية مع الزاوية القادرية الكنتية أو مع فروعها السودانية، وكذلك من خلال نموذج الحاج عمر الذي نشر التيجانية والإسلام من خلال حركة دعوية واحدة لم تتوان في استعمال الجهاد المسلح ضد أعدائها من الوثنيين والمسلمين المنتمين للطريقة القادرية المنافسة للتواجد التيجاني. فقد انتقل الحاج عمر من محقق للكرامات إلى مؤسس لأكبر إمبراطورية في غرب أفريقيا. لكن إمبراطوريته التي قامت على مبدأ الجهاد لم تصمد أمام القوات الداخلية، والقوات الفرنسية المرابطة بالسنغال، فلم يتبق منها بعد وفاة مؤسسها سوى عمقها الديني وذكريات الشخصية الكارزماتية التي صمدت أمام تناثر أشلاء الإمبراطورية التي لم تعمر طويلا (من 1854 إلى تاريخ وفاة الحاج عمر سنة 1864)

 - حصول تبادل تجاري كثيف لم تنقطع عراه إلا مع التغلغل الاستعماري في إفريقيا، وقد عرف بالتجارة الصحراوية أو تجارة القوافل. لعب هذا النشاط دورا كبيرا في تعميق العلاقات السياسية والبشرية والاقتصادية بين المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء، وكانت له نتائج حاسمة فيما يتعلق بوسائل تمويل الدولة في المغرب وتحقيق انتعاش اقتصادي شامل، وكذلك فيما يخص تقدم التقنيات التجارية نفسها.

وذهب الباحث إلى أن مقاربة هذه المواضيع تقتضي الاعتماد على كثير من المصادر والدراسات الجامعية التي انشغل أصحابها بالتفاعل الحضاري بين شمال القارة الإفريقية وجنوبها.

 

و انطلاقا من هذه المعطيات،  بيّن الأستاذ العدناني العلاقات البنيوية التي تهيكل موضوع المغرب وإفريقيا ودورها في تفسير حقيقة وتاريخية العمق الصحراوي والإفريقي للمغرب.

 

 وفي ختام درسه ، بين الاستاذ المحاضر التطورات التي عرفتها قضية الوحدة الترابية وصلتها بالروابط الروحية والاقتصادية التي تجمع المغرب بإفريقيا. مركزا على تبيان أهمية محور الشمال- جنوب الذي يحكم العلاقات المغربية-الإفريقية هو نفسه المحور الذي سخرته السلطات الفرنسية وكونها لم تكن قادرة على خلق محور جديد رغم الإمكانات المادية والتكنولوجية المتوفرة. وارتكازا على نتائج مؤلفه: "الصحراء على محكّ الاستعمار  رؤية جديدة للمسألة الترابية" الصادر في طبعته الثانية عن منشورات كلية الآداب بالرباط سنة 2017، عرج الباحث على نقطة مهمة مفادها أن السلطات الفرنسية أو الإسبانية ومعهما كل الرحالة الأوربيين، لم يكن بإمكانهم توفير الأمان أو التحكم في المجالات والمسالك التي تربط المغرب وإفريقيا من دون الاعتماد بشكل خفي وأحيانا معلن على أسس الحكم المخزني، وعلى رمزية الحكم السلطاني خاصة باستعمال البيعة أو بإعادة توظيف النخب المخزنية المتركزة في الصحراء.

 

و انطلاقا من كل هذه المعطيات ، فإن المغرب ليس قوة اقتصادية أو ثقافية وليدة ظروف الحرب الباردة أو فترة ما بعد الاستعمار، بل إن كيانه السياسي ظل معترفا به حتى من طرف المعاهدات التي عقدت زمن الحماية أو قبلها. اعتبارا لهذا المعطى الهام فالمغرب كبلد إفريقي له من الإمكانيات ومن مخزون الشرعية الذي ينبثق عن علاقات تاريخية وروحية تجعل من توجهاته ومشاريعه نوعا من العودة إلى الريادة التي لم تنقطع إلا في عهد الحماية والاستعمار، وعلى الرغم من ذلك ظل المغرب محافظا على علاقاته التاريخية مع إفريقيا من خلال متانة علاقاته الروحية والبشرية حيث لم يتوقف التيجانيون من غرب إفريقيا من أداء الحج الأصغر في اتجاه ضريح الشيخ أحمد التجاني بفاس،  كما أن النخب الثقافية والتجارية المغربية وخلافا لما هو شائع، استقرت بعواصم وأهم المدن السنغالية والمالية والإفوارية،  كما هو حال بالنسبة للجالية المتواجدة بداكار أو أبيدجان، وغيرها من المدن.

 ويكفي المغرب والمغاربة فخرا أن يكونوا من وراء نشر الإسلام  بإفريقيا جنوب الصحراء حتى وإن لم يكن ذلك مواكبا بعملية تعريب شاملة، وكون زخم العلاقات الثقافية والروحية لا يمكن التعبير عنه من دون الإرتكاز على ذخائر الخزانات السودانية التي أصبحت تراثا عالميا وكنزا تنهل منه أقلام الباحثين والمتخصصين ومعارف تدرس في مختلف الجامعات والمعاهد عبر العالم.