الأربعاء 22 نونبر 2017 - العدد : 3966 لوحة المفاتيح العربية






مرحبا بكم ! أنتم الزائر رقم
5452661
إعلانات تهمك


بعد بلاغ المكتب الشريف للفوسفاط بأسفي.

  

ساكنة المدينة تنتظر بلاغ القائمين على المطرح العمومي للمدينة.

  تعيش مدينة آسفي هذه الأيام ومنذ أسابيع ليالي تتحول إلى كوابيس بيئية أصبحت ترعب الأصحاء والمرضى على حد سواء، ليالي تصبح أجواؤها عبارة عن ضباب خانق، وهواء ثقيل، وروائح كريهة يصعب معها التنفس، لدرجة أن الأمر أصبح يتكرر لأيام بعد أن كان الأمر مرة في الأسبوع أو مرتين في الشهر، ومع الأيام ، أصبح لزاما على مرضى الربو والحساسية وضيق التنفس، اتخاذ إجراءات مسبقة بمجرد انسدال خيوط الظلام على المدينة، الدخول باكرا للبيت، إحكام إغلاق الشبابيك والنوافذ والأبواب، ومعه البحث عن كل الشقوق التي يمكن أن تتسرب منه أدخنة وروائح تخنق الأنفاس لدرجة الإختناق…وفي كل ليلة كنا نمني النفس بأنها ربما آخر ليلة، ربما ينتبه أحد لما يقع من جرائم بيئة خطيرة، لا يشعر بها إلا من كان لديه واحد أو اثنين أو أكثر يعاني من الربو أو ضيق التنفس والحساسية، في كل صباح نستيقظ على نقاش في المقهى وفي العمل وبين الأصدقاء عن روائح الليلة السابقة، فتجد أن الكل يشتكي، يصارع حياته اليومية تم يعود للعبة التمني، وفي الليل نسابق الزمن للإعادة إغلاق كل فتحة يدخل منه ذلك الهواء المحمل بروائح قذرة، أصبحنا نميز نوعيتها وكأننا متخصصون في تمييز الروائح ومعرفة نوعيتها….ومع التمني بأن تكون ليلتنا المقبلة أقل تلوثا من سابقتها، كنا نمني النفس بأن ينتبه مسؤولونا بأن الأمر زاد عن حده، وأن الأمر أصبح فوق التحمل، خصوصا وأن الأمر أصبح يهم كل تراب المدينة بعد أن كان الأمر يهم الأحياء القريبة من معامل الفوسفاط ومن المطرح العمومي ، الأمر ازداد شراسة وضررا بعد أن أصبح كل أحياء المدينة من شمالها إلى جنوبها تحت رحمة أدخنة الفوسفاط والكبريت مرة وتحت

رحمة أدخنة المطرح العمومي في مرات عديدة، لدرجة أن ليلة بدون روائح في آسفي أصبحت استثناء أمام ما نتعرض له من قصف هوائي خطير وبشكل متواصل.لكن التمني توقف أمام بلاغ جميل وعجيب للإدارة الوصية على معامل الفوسفاط، فبعد ليلة فوسفاطية بامتياز، وما تبعها من تحرك لجيوش الفايسبوك والتويتر، وفيديوهات لأشخاص تحدثوا بوجوه مكشوفة وحسابات إليكترونية معروفة، انتشر بلاغ المؤسسة العملاقة، لتقول لنا جميعا أنتم تكذبون، ولم تعودوا تميزوا بين روائحي وروائح الآخرون، وأن المؤسسة الشريفة ليست هي المسؤولة عن الفاجعة البيئية لتلك الليلة السوداء، وأنها بالمقابل تتوفر على أجهزة ترصد كل اختلال بيئي يخصها.

ولأن العجب عجب حتى وإن أتاك من مؤسسة حسبناها دوما تحني رأسها للعاصفة، تم تعود عملاقة كما كانت، فإن البلاغ الذي نشرته حتى مواقع إليكترونية لمدن بعيدة عنا، وكأن الأمر متفق عليه، هجوم إعلامي في صيغة تكذيب لمعاناة لم يعشها غيرنا، وكأننا المدينة لم يكن ينقصها سوى اختلاق أخبار عن أبخرة وأدخنة تقتلنا في الليلة ألف مرة تم تعود.

 

الكل ابتلع ما جاء في البلاغ، وقلة هي من ردت باستهزاء على بلاغ إدارة الفوسفاط، وانتهى الأمر في انتظار ليلة أخرى، ليكون المتهم هذه المرة هو المناخ برياحه التي تنقلب فجأة لتهب في اتجاه المدينة تم ينتهي الأمر إلى يوم الفناء، والفناء هو أن ننقرض نحن ويهنأ الفوسفاط بكوننا لن نعود ل"خربشاتنا" الفايسبوكية وكتاباتنا الإعلامية التي حركت أكبر مؤسسة صناعية تحاول تلميع صورتها عن طريق تكذيب شعب عانى تلك الليلة من أبخرة الفوسفاط، ويعاني كل ليلة مع روائح المطرح العمومي.

 أما عن هذا المطرح فلن أتحدث كثيرا لأنه كارثة بكل المقاييس، فإن كانت روائح الفوسفاط لا تجتاح كل المدينة إلا نادرا، أو بشكل متقطع، أو حتى بسبب رياح الجنوب، لتبقى المعاناة دائمة لأحياء الجنوب القريبة والمطلة على المعامل وباقي الدواوير القريبة منه، فإن روائح المطرح العمومي أصبحت تفرض نفسها بشكل دائم، بل أصبحت على مدار الساعة في بعض أحياء المدينة، ومنها تتمدد لتشمل كل تراب المدينة، من شمالها إلى جنوبها وطبعا من شرقها إلى أحياء كانت تعتبر بعيدة عنها، لكنها اليوم في مرماها وأصبت تنال ما كانت تناله أحياء الجريفات، وقرية الشمس، وحي سعيدة، وبلاد الجد، وحي الصفاء، واعزيب الدرعي، فتساوى الأمر بين الأحياء الراقية بمرتفعات سيدي بوزيد وبالمدينة الجديدة، وبين أحياء الهامش والأحياء العشوائية التي نمت على أطراف المدينة، وبالتالي تحولت ليالينا إلى كوابيس بيئية، يصبح معها التحصن بالبيوت أمرا ضروريا وكأنه حضر تجول مقصود. 

سننتظر مع المنتظرين أن تتكفل الجهة الوصية لتدبيج بلاغ إعلامي يبعد شبهة هذه الروائح الكريهة عن المطرح العمومي، خصوصا وأن بوادر البلاغ انطلقت منذ مدة بين من اعتبر أمر المطرح العمومي قد انتهى إلى حل لارجعة فيه، وأن الأمر مجرد ساعات أو أيام على أكثر تقدير، ومنهم من أكد أن القائمين على المطرح "جازاهم الله خيرا" يقومون بردم المطرح بأتربة تأتي من مشروع صحي كبير، وأن التنمية تتعاون بينها، أتربة المستشفى المستقبلي ستغطي أزبال المطرح العمومي وتنتهي القصة، وفي كل يوم قصة، وفي كل يوم نستنشق الروائح وفي كل ليلة تخنقنا، نقول مع أنفسنا، ربما هي النهاية، ولكنها نهاية بعيدة ربما لن ينهيها سوى بلاغ للقائمين على المطرح العمومي يبرؤون فيه المطرح من روائح هذه الليالي الخانقة، كما فعل معنا الفوسفاط قبل أيام، فقط بلاغ إعلامي ونرتاح إلى الأبد.

  عبد الغني دهنون