الاثنين 22 يناير 2018 - العدد : 4027 لوحة المفاتيح العربية






مرحبا بكم ! أنتم الزائر رقم
5548692
إعلانات تهمك


يقدم الدكتور المرتجي لقراء الجريدة فيما يلي الحلقة الثالثة من بحثه حول الولي الصالح مول البركي

 

                         الأبناء والحفدة والمريدون

     أورد (  Antona) ، في معرض حديثه عن أبناء مول البركي، رواية، دون أن يشير كعادته إلى مضانها، مفادها، أنه رزق بثلاثة أبناء ماتا اثنان منهما في سن مبكرة، أما الثالث فيدعى سيدي محمد المعروف بسيدي بوذهب[i]، دفين أسفي. غير أن رواية ( Antona ) لا تعتمد على أساس تاريخي أو حتى واقعي، تطمئن وتركن إليه النفس، إذ غالبا ما تعتمد على حكايات نسجها الخيال الشعبي، وأذكتها الصراعات المذهبية والسياسية المختلفة، خصوصا إذا علمنا أن جل الدول التي قامت في المغرب، قامت على أكتاف الزوايا، وليست الدولة السعدية ببدع  من ذلك، إذ تحدثنا كتب التاريخ عن ذلك، وتروي لنا تفاصيله، أو حاكها خيال مريض أو حاقد، كمن زعم بأن مول البركي مات أعزبا، لم يتزوج قط، وبالتالي لم ينجب أولادا، إلا أن كثيرا من الدلائل والأبحاث تفند هذا الطرح[ii].    أما سيدي بوذهب هذا، الذي تحدث عنه ( Antona )، فاسمه الحقيقي : سيدي أبو الأدهم، نسبة إلى فرسه، تم حرفه اليهود ليصبح بوذهب ، حسب ( Antona )[iii]، وكونه خص تحريف اسم هذا الولي باليهود، أمر فيه نظر، فليس في لغتهم ما يدعو إلى ذلك، بل المرجح أن يكون عامة الناس من مسلمين عرب، وقد يشاركهم في ذلك اليهود، هم من قام بذلك، وفي العربية كثير من الشواهد على رجاحة هذا الافتراض. ربما لأن ( Antona ) رأى في ادعاء اليهود انتماء هذا الولي إليهم، حجة يستند إليها، فزعم أنهم هم من حرف اسمه، أو ربما يريد أن يدعم أطروحة اليهود، خصوصا أن بعض الوثائق تشير إلى وجود مقبرة يهودية بين البحر وضريح سيدي بوذهب ، ما بين المريسة القديمة وممر القطار في اتجاه ميناء مدينة أسفي. ومهما يكن، فإن أمر هذا الولي ظل يلفه الغموض، وحيكت حوله حكايات كثيرة، فمن قائل بأنه جاء من مكة ليجاور سيدي أبو محمد صالح، ومن قائل بأنه ضريح بدون قبر، وإنما بني الضريح على فراغ، إلا أنه ليس هناك ما يؤكد هذا الافتراض، ومن قائل بأنه من قديسي اليهود، أسلم على يد سيدي أبو محمد صالح، إلى غير ذلك من الافتراضات التي يصعب تمحيصها ، و بالتالي تأكيدها أو رفضها، ويبقى الطرح المقبول هو أن يكون سيدي أبو الأدهم من ولد سيدي عبد الرحمن مول البركي استشهد خلال غارة من غاراته على


[i]  أبو الذهب أو أبو الأدهم. غير أن المرجح هو الكنية الأولى.
[ii]    يشيع هذا الطرح بين أوساط قروية شمال مدينة أسفي، غير أننا نتوفر على وثائق  تفنده، سننشرها قريبا.
[iii]  جهة عبدة،ص.89.


البرتغال أو مات فدفن خارج أسوار أسفي ، خصوصا إذا علمنا أن سيدي عبدالرحمن مول البركي كان يجهز حركات شبه متتالية لمحاربة برتغالي أسفي، فصادف أن فقد أحد أبنائه خلال إحداها فدفن حيث هو مدفون الآن[i]. كما فقد ثلاثة أبناء آخرين بإحدى زياراته لخدامه و ومريديه توجد قبورهم شرق أسفي ويسمون بأولاد مول البركي، و الحوش الذي دفنوا بداخله مزارة يزورها كثير من سكان المنطقة ومن خارجها، يتبركون بهم وبمقامهم ، ويبدو أن هذه القبور هي لأطفال ماتوا صغارا، إذ لا يصل طول قبر الواحد منهم سوى متر ، يقل أو يزيد، ومن المرجح أن يكونوا قد ماتوا جراء وباء أو جائحة حلت بالمنطقة عصرئد، ولمول البركي ابن آخر  سماه سيدي رحال، على اسم أبيه، وهو مدفون إزاء قبر جده[ii]، بداخل ضريح سيدي موسى مول الساقية[iii] ، من جهة الغرب. وعليه فقد كان لمول البركي خمسة أبناء ، مات ثلاثة منهم ، كما أشرنا إلى ذلك ، وبقي اثنان.( سنعود إلى مسألة أبناء مول البركي بالتفصيل ، بعدها سنتحدث عن حفدته وفرقهم، وعن خدامه وانتشارهم الجغرافي في بقاع كثيرة ).  

                                                                       الدكتور المصطفى المرت


[i]   يوجد ضريح آخر شمال مدينة أسفي، يحمل هو الآخر اسم سيدي أبو الأدهم. ونورد، هنا كذلك رأي الفقيه الكانوني، الذي ضمنه كتابه جواهر الكمال في تراجم الرجال، ( ص.83) ،حيث يقول : " ... أبو الذ هب :  ينسب إليه ضريح داخل أسفي في واجهة البحر، وقد اختلف الناس في إثباته ونفيه وقد بالغت في البحث والتنقيب، فلم أجد من أشار إليه ولو أدنى إشارة. والحقيقة التي خرجت بها أن هذا الضريح يطلق على بيت من بيوت السقاية التي كان يحمل الماء إليها من تانجريفت، وكان لها ثلاثة أحواض كل حوض مقبو بالحجارة، ولما تعطلت القواديس تعطلت الأحواض وعمرت بالتراب وصار الناس يستغلون تلك البيوت، وبعد سنة 1330 هدمت الحكومة تلك البيوت إلا هذا لأنه كان بعض الناس يشعل فيه سراجا بالليل، وكان مهملا غاية الإهمال حتى كان البراح المحيط به مقيلا ومبيتا للبقر ومجاورا لمنفذ المياه الواردة من المدينة التي تحمل العفونات، ويعرف هذا المنفذ بالخواجة، لأنه منها يخرج الماء إلى البحر، وربما تبرز الناس حوله، ولما أرادت الحكومة أن تستغل هذا البراح وكلت من يهدم هذا البيت، فكان من حكم الاتفاق أن سقط من أعلاه الإنسان الذي كان ينقضه، فأشاع الناس أن ذلك من كرامة صاحب البيت واتسع المجال في القيل والقال إلى غاية بعيدة، منهم من يقول إنه مات ثلاثة ومنهم من يقول أكثر ولما رأت الحكومة ذلك أمسكت عن الهدم إلى سنة 1348، فأمرت بهدمه وأسست عليه قبة، وفرغ منها في 11 ربيع الأول سنة 1348، ولما سنحت  الفرصة عند الهدم، لم أتركها تمر دون أن نبحث في نفس الضريح، وكان البناءون من أصدقائنا فسارعوا لإجابة طلبي، وكشفوا لي عن أصل البيت حتى رأينا تربيعة الصهريج، ثم أزلنا الحجارة عن المحل المزعوم أنه قبر، فإذا هي فوق التراب العادي ولا شيء تحتها مما يشعر بأنه كان هناك أحد، ثم تعمقنا في الحفر إلى أن بلغنا إلى حوض صفير يعرف عند الناس بالمعدة تشرب منه الدواب عادة حيث يكون ماء الصهريج الكبير بعيدا عنها والقبة الآن أسست على أركان الصهريج إلا الربع الموالي للسكة من جهة باب القبة، فقد تركت منه مساحة وللناس فيها أقاويل كثيرة ومزاعم باطلة عريقة في البطلان. وبعد بيان أنه لا أصل له يظهر لي في أمره أمور ثلاثة: أحدها ما رويته بسند لا بأس به، أنه في أواخر القرن الماضي كان جلس فيه إنسان مجذوب يقال له سيدي مبارك حتى توفي هناك وحمل لأحد المقابر، والناس كثيرا ما يعظمون مثل هاته المقامات. ثانيهما أنه يمكن أن يكون هذا كان مسكن الجن، لأنه كان مهملا مقيلا ومبيتا للبقر والدواب ومجاورا للمنفذ التي تخرج منه المياه المتعفنة إلى البحر ويتبرز بعض الناس حوله. ومعلوم أن محلا كهذا تسكنه الجن ولذلك تتراءى به الخيالات التي يتناقلها الناس. ثالثها  أنه كانت شمال هذا المحل بينه وبين البحر دار ضرب السكة وتقطير سائل الفضة والذهب، تعرف بدار الذهب. وقد حدثني بعض المسنين أنهم أدركوا أطلال هذه الدار، يلعب فيها الصبيان، وكان الناس أخيرا يبحثون في ناحيتها عن قطع الذهب والفضة، وآخر من كان معتنيا بهذه الدار، السلطان المولى عبد الله بن إسماعيل أواسط القرن الثاني عشر للهجرة، وبعده بادت ثم اضمحلت، ومن الممكن أن يكون المتولي لدار الضرب أو بعض الباحثين عن الذهب كان أحدهما يجلس بهذا المحل لأن النسبة تقع لأدنى ملابسة والذي أعتمده أنه لا شيء بهذا المحل أصلا وإنما هو مقام كسائر المقامات التي تزار ويتبرك بها."
[ii]   قيل، في رواية أخرى، بأن سيدي رحال، مدفون حداء قبر ابنه داخل الضريح.
[iii]  يسمى كذلك بأبي الساقية، نسبة ، على ما يبدو ، إلى بئر توجد  شرق ضريحه الحالي، كان يمتح منها الماء ويسقيه الناس فسمي بأبي ساقية.