الثلاثاء 18 شتنبر 2018 - العدد : 4266 لوحة المفاتيح العربية






مرحبا بكم ! أنتم الزائر رقم
5967848
إعلانات تهمك


جامع آسفي الكبير وقصة انحراف محرابه وانفصال صومعته

دنسه البرتغال وأحرقوه وعلقوا صليبا فوق صومعته وعليه حبس سلاطين المغرب كتبا نفيسة بماء الذهب.

يعتبر الجامع الكبير أو العتيق إحدى أبرز معالم المعمار الإسلامي بآسفي، فهو أكبرها على الإطلاق وأقدمها، وأغربها أيضا، ووجه الغرابة كامن في انفصال مناره عنه، ولعلها الميزة التي ينفرد بها عن باقي المساجد التاريخية في العالم الإسلامي، إن جاز القول بذلك.  

المسجد حاليا ليس سوى جزء متسع وجديد من الأصل الذي كان فعلا متصلا بصومعته قبل إنشاء الطريق المتصل حاليا بجانبه (درب الصمعة)، وذلك نظرا إلى ما عرفته المدينة القديمة داخل السور من تغييرات وتحويلات همت بنيتها العمرانية بتغيير إدارات الحكم في تاريخ المغرب.
ولتوضيح هذا الأمر، فقد أورد قاضي آسفي في أواسط القرن الثاني عشر الهجري أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز، المدعو ابن عزوز الأندلسي، أن منار المسجد كان قد اندرس باستيلاء البرتغال على المدينة، وهو من المدينة القديمة بدليل فصله الآن عن المسجد بالديار والطريق. ويضيف القاضي في كتابه الشهير «إرشاد السائل إلى معرفة القبلة بالدلائل» الذي فرغ من كتابته سنة 1721 م، أنه «بني بأثر خروج النصارى من آسفي، فلبنائه ما يقرب مائتي سنة هجرية، فيكون تأسيسه في دولة السلطان محمد الشيخ المهدي، فيظهر أنه من تأسيسه ولأنه الذي عمر آسفي، وقد جدد بعد ذلك، وخصوصا في دولة السلطان سيدي محمد بن عبد الله».
 
              والظاهر في هذا النص التاريخي أن الحديث عن بنائه بعد خروج البرتغال، كان يعني إعادة بنائه وتوسيعه بدليل ما سبق وبحجة النصوص التي تحدثت عن الاعتداءات التي لحقت مساجد آسفي، ومن ضمنها المسجد الكبير، من قبل البرتغال حتى إنهم حولوه وجعلوا على منارته صليبا لكنيستهم المحاذية للمسجد، بدليل



ما جاء في كثير من الروايات التاريخية المكتوبة وحتى الشفوية.


ومن بين مميزات المسجد الأعظم بآسفي انحراف محرابه، مما جعله يضم محرابين: المنحرف بجهته الجنوبية والمضبوط بالجهة الشرقية، ووقع تصحيحه ورفع أهل آسفي، بالمناسبة، طلبا إلى الملك محمد الخامس بنقل المحراب من جهة الخطأ إلى الصواب، فكان جواب الملك بالإيجاب وبعث العلامة الفلكي سيدي محمد العلمي ليشرف على تعيين القبلة الجديدة، وكان ذلك يوم الثلاثاء 5 مايو من سنة 1936، كما يذكر ذلك المؤرخ العبدي الكانوني في كتابه «آسفي وما إليه».


وعن هذا الانحراف، أورد قاضي آسفي ابن عزوز الأندلسي في كتابه «إرشاد السائل إلى معرفة القبلة بالدلائل» ما مضمونه: «وأما المسجد الجامع عندنا بآسفي فمحرابه منصوب إلى خط وسط الجنوب، فهو خارج عن الجهة بنحو50 درجة. وأكثر العامة يعتقدون عدم انحرافه لجهلهم بأدلة القبلة، فلا ينحرفون، ويزدحم الناس في الصفوف، سيما الصف الأول، ويشق على المصلي مع ذلك الانحراف·· وربما طعنوا عليه فيه ذلك واغتابوه، ولأجل ذلك كثيرا ما أصلي في غير هذا المسجد، وإن صليت فيه فكثيرا ما تأخر عن الصف الأول، وأصلي في غيره لكثرة انحرافه من جهة القبلة حتى كاد أن تكون قبلته عن يسار الداخل إليه من ناحية سماط (طريق) العدول، ولولا خوف الفتنة وإنكار الجاهلين بالأدلة لكان الصواب أن يرده محراب هذا الجامع وينقل إلى القبلة التي هي محل إقرائنا اليوم مختصر خليل الموالية لعين المشرق».
ويذكر هنا أن المسجد عرف عدة إصلاحات، منها تجهيزه بمنبر جديد وجعل الجهة الغربية له مخصصة للنساء وإعادة تجديد مفروشاته. وقد أدخلت هذه التعديلات سنة 1797 م.


ولعل أبرز مفاخر هذا الجامع خزانته التي وصلت شهرتها إلى كافة ربوع المغرب، وعنها وعن حالتها يقول المؤرخ محمد الكانوني في كتابه سالف الذكر: «هذه الخزانة وليدة القرن العاشر فما بعده، لأن البرتغال لما استولى على آسفي لم يبق بها أثرا ماديا وما لم يدخل بأيديهم أكلته يد الفوضى والاختلاس وبعثرته يد الإهمال والإغفال، زيادة على عبث سيول الأمطار بكثير من الكتب·· كان ابتداء تأسيسها في الدولة السعدية بدليل وجود جزء من مشارق عياض فيها وعليه تحبيس القائد عبد الله سنة 1582م، وكانت في فاتح القرن الثاني عشر الهجري يشترى لها الكتب من وفر الأوقاف، ولما جاء دور السلطان سيدي محمد بن عبد الله اعتنى بها وحبس عليها 127 كتابا، ثم تلاه أحد أركان دولته وهو القائد عبد الرحمان بناصر العبدي، فأوقف عليها 114 كتابا، كما حبس غيره كتبا كالفقيه أبي العباس أحمد بن يعيش الخلفي العامري والفقيه أبي عبد الله محمد الزيدي البعيري والفقيه السيد محمد بن المكي بنهيمة الآسفي وغيرهم. وقد وقفت على إحصائها صدر القرن الثالث عشر الهجري فكانت 283 كتابا بعدما اختلست منها كتب عديدة في دار قيمها إذاك، وتبلغ الآن نحو الأربعمائة، وتوجد فيها كتب التفسير والقراءات والحديث والفقه والعربية واللغة والأصلين والسيرة النبوية والبيان والتوقيت والمنطق والتاريخ والسياسة والتصوف وغير ذلك».


ويضيف صاحب كتاب «آسفي وما إليه» بقوله: «وأغرب ما فيها سيرة الحافظ الشامي المسماة «سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد» بخط مشرقي تجزئة عشرة يوجد منها ستة فقط وسيرة الكلاعي المسماة بـ«الاكتفاء في سيرة النبي والثلاثة الخلفاء» في تجزئة ستة ينقصها الأخير، وتوجد بشرح الإمام أبي عبد الله سيدي محمد بن عبد السلام بناني المسمى «مغاني الوفاء» في ستة أجزاء ضخام فقد منها الأول والسادس، وكتاب «مفاخر الإسلام وانتشار أمر النبي عليه السلام» لأبي الحسن علي بن مخلوف المكي بخط مغربي تجزئة ثلاثة في مجلد واحد، وكتاب «عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير» للحافظ بن سيد الناس اليعمري بخط مغربي جميل».


وقد وصف المؤرخ الكانوني حالتها الماضية، مبرزا أهم العناوين التي كانت تحويها الخزانة فطالتها يد الاختلاس، خاصة لما توفي قيمها صدر القرن الحادي عشر الهجري الفقيه السيد احمد واعزيز، وكانت بداره، فأخذ المختلسون جملة كتب وأزالوا من فهرستها عناوينها، ولعل أبرز ما كانت تثيره لدى الزائر من إعجاب هو»صحيح البخاري» في 28 من أجزائه، كلها مزخرفة بالذهب، وكانت من تحبيس أبي الربيع الخليفة الثاني عشر للدولة العلوية، وامتدت خلافته من 1785م إلى عام 1817م، ومن ضمن ما وجد فيها من كتب: «تفسير ابن جزي والثعالبي والصفاقسي»، و«لسان الميزان» للحافظ، وكتاب «النجم الثاقب فيما للأولياء من مفاخر المناقب»، وكتاب «المشاهير والأعيان».


ومن بين الأحداث المأساوية التي عرفها الجامع الكبير تعرضه، أكثر من مرة، لعسف الطبيعة خاصة الأمطار المصحوبة بالسيول حين غمرته ومعها آسفي في ليلة الخميس 11 نونبر من سنة 1790م، وفي خامس يناير من عام 1826م، وفي يوم 18 دجنبر من عام 1901م، وقد كانت أعنف وأخطر هذه السيول هي تلك التي وقعت في النصف الأخير من ليلة الاثنين 21 نونبر من سنة 1927، حيث بلغ علو المياه والأوحال بداخل المسجد أزيد من مترين.


من خلال هذا الحفر والنبش في تاريخ أبرز معلمة إسلامية بآسفي، تتضح لنا مكانة المسجد عبر التاريخ ويفسر لنا سر انحراف قبلته، ولعله المعطى الذي يبين أنه حتى حاليا لازال أهل آسفي ينحرفون قليلا في صفوفهم أثناء الصلاة، وتبقى خزانته إحدى التحف العلمية الرفيعة القيمة في حالتها الماضية، أما اليوم فإننا نتساءل عن واقع هذه الخزانة هل مازالت موجودة؟ وما مصير كتبها؟ على أن نترك الجواب مفتوحا على التاريخ في بعده الرمزي ومطروحا على من أشرفوا إداريا على تسيير مسجدنا طوال هذه السنين حين نعلم بأن الذي ضاع أكثر مما تبقى، وأنه حاليا يجري إصلاحه تدريجيا بإزالة معالمه العمرانية كالرخام والزليج والفسيفساء وثريات الكريستال وتعويض ذلك بأشياء جديدة، حتى يتاح للنفيس المرور إلى واجهات بازارات مراكش والصويرة، وعبور التراب الوطني في صمت مريب، وتواطؤ يستتر وراء نوايا الإصلاح، وليس الترميم والمحافظة والحفظ.

  المهدي الكراوي