الثلاثاء 23 يوليوز 2019 - العدد : 4574 لوحة المفاتيح العربية






مرحبا بكم ! أنتم الزائر رقم
6464517
إعلانات تهمك












اليوسفية: 

مدينة الفوسفاط والفقر والتهميش

  إعداد : محمد بديع 

تقع مدينة اليوسفية وسط المغرب على بعد 60 كيلومترا من بن جرير و90 كيلومترا إلى الشرق من آسفي، و100 كيلومتر من مراكش و230 كيلومترا جنوب الدار البيضاء. يبلغ عدد سكانها حوالي 60 ألف نسمة ينتمون في معظمهم إلى قبائل «احمر» المنتسبة إلى قبائل عربية مشرقية باليمن (بنو معقل).

 

ويشتهر شيوخ قبائل «أحمر» بالفروسية والرماية وتربية الصقور والصيد بها. أما مدينة اليوسفية فتشتهر باستخراج الفوسفاط منذ الثلاثينات من القرن 20، حيث يبلغ إنتاجها 33 في المائة من الإنتاج المغربي من هذه المادة.

 

وتشكل منطقة اليوسفية الجزء الغربي من ركازة «الغنطور» وقد انطلق الاستغلال سنة 1931 بالجزء الشمالي الغربي من الموقع وأدى إلى إنشاء المركز الفوسفاطي لليوسفية المعروفة آنئذ تحت اسم «لوي جانتي». ويقدر الاحتياطي في هذه المنطقة بـ 10.2 ملايير طن.

 وتتكون ركازة الفوسفاط باليوسفية من نوعين من المعادن، فوسفاط «أبيض» يحتوي على مواد عضوية قليلة، انطلق استغلاله سنة 1931، وفوسفاط «أسود» شرع في استغلاله في نهاية عقد الستينات، وهو غني بالمواد العضوية.

 

واشتهرت اليوسفية باسم «لويس جونتي» أو «لويجانطي» أو «ويجاطي»، كما يطلق عليها المنحدرون من قبيلة «احمر»، أو «مدينة التراب»، كما يسميها الكاتب المغربي إدريس الخوري، اليوسفية تلك البلدة الواطنة بتخوم منطقة احمر الحابلة بخيرات الفوسفاط، وطأت سلطات الحماية بأقدامها هناك مع مطلع القرن الماضي حيث بدأت استخراج الفوسفاط واستغلاله بداية 1927 بخبرات فرنسية، وأحدثت أولى الوحدات الصناعية بهضبة



  «الكنطور»، وامتدت خطوط السكك الحديدية في اتجاه ميناء آسفي لتنتقل خيرات البلاد إلى أوربا.

كان المرور عبر المسافة المتبقية بين بن جرير والتي تبلغ 26 كيلومترا واليوسفية شاقا وصعبا ومتعبا، كما عايناه من خلال الحافلة الوحيدة القادمة من الدار البيضاء والتي تربطها باليوسفية، والتي اضطررنا إلى ركوبها بعد أن لم نجد وسيلة ركوب مريحة مثل القطار، لتوصلنا إلى هذه المدينة المعزولة المهمشة، والتي يعيش سكانها الذين لا يتجاوز عددهم الـ 60 ألف نسمة، في أوضاع اجتماعية وإنسانية مزرية، وكاد السائق يفقد أعصابه كما أن الركاب ضاقوا ذرعا بتلك المسافة المتبقية، والتي مرت على الجميع مرور الدهر، قبل الوصول إلى مدينة التراب زائرين أو قاطنين بها.

ولا أعتقد أن من يجرب الرحلة إلى اليوسفية سيختلف معي أو مع كل من جرب السفر إليها عبر الحافلة العمومية أو السيارة أو الشاحنة، في الشعور بنفس الأحاسيس والمشاعر التي تجعله يظن أنه لا يقطن بالمغرب بل بمنطقة من المناطق المنكوبة التي تعودنا رؤيتها في التلفزيون.

أثناء تلك المسافة أو الطريق كانت العين إذا التفتت يمينا أو شمالا يخيل إليك، أنك في صحراء قاحلة حيث لا ماء ولا زرع ولا حقول للفلاحة التقليدية أو العصرية، يمكن أن تدخل البهجة إلى النفوس وتسر الناظرين، لا مناطق خضراء خاصة بزراعة القمح أو الشعير أو الخضر أو الفواكه كما تعود المواطن المغربي مشاهدتها هنا وهناك في مناطق مختلفة من البلاد، ولا دواوير، توحي أنها تنتمي إلى العالم القروي الحديث الذي يتوفر على شبكة الربط الكهربائي، بل الأدهى من ذلك أنك إذا وجدت دوارا نائيا فإنك تفاجأ بالسحنات المشدودة لسكانه والتي لفحها الحر والقر، وبنمط لباسهم وعيشهم وكأنهم ينتمون إلى عصر آخر غير القرن الواحد والعشرين.

 تلك هي اللوحة التي تصدم عينيك وتهز مشاعرك وتمطر على ذهنك عشرات الأسئلة والاستفهامات وأنت مقبل على مدينة اليوسفية التي ظلت تسمى بـ «لوي جانتي» والتي تأتي في المرتبة الثانية بعد مدينة خريبكة، العاصمة العالمية للفوسفاط، من حيث اكتشافه والذي بدأ بها عشر سنوات بعد خريبكة أي منذ عالم 1931 إلى الآن.

 

إن المقارنة بين المدينتين تبدو لأول وهلة وبالنسبة لكل مهتم بواقع المدن المنجمية ببلادنا، مقارنة صادمة للفكر والعقل والقلب، حيث لا قياس مع وجود فارق بمعدل السنوات الضوئية، ولا حتى بمعدل المسافات الكيلومترية. ويعتقد المرء اليوم - بعد 77 سنة من الشروع في استغلال الفوسفاط - لأنه لولا اكتشاف هذه الثروة الباطنية بمدينة اليوسفية لكان اسمها منعدما على الخارطة، ولا كان بإمكان أحد أن يعرفها أو أن يعرف عنها شيئا.

 

بعد أن أشرفنا على مدينة اليوسفية خيل إلي وإلى كل الراكبين الذين لا عهد لهم بهذه المدينة، أننا على أبواب مدينة القاهرة نظرا للشكل الهرمي لأطنان مختلفات الفوسفاط الملقاة على مداخل مدينة اليوسفية، لكن شتان بين أهرامات فراعنة مصر، والتي لازالت ألغازها تحير علماء الآثار منذ آلاف السنين دون أن تتسبب في تلوث بيئي أو في ظهور أمراض خطيرة أو معدية، وحتى الزلازل لم تنل منها عبر العصور، وأهرامات اليوسفية المكونة من أكوام مخلفات الفوسفاط، من أحجار وغبار وأتربة، التي أكد لنا بعد ذلك بعض أبناء اليوسفية الذين دردشنا معهم أنها أضرت في مجموعها بصحة الإنسان والحيوان والنبات، وتسببت في التلوث البيئي، ناهيك عن معمل تنشيف الفوسفاط الذي يوجد بمدخل المدينة، والذي تنبعث منه أدخنة تسببت في ظهور أمراض الجهاز التنفسي والحساسية وأمراض أخرى لدى ساكنة اليوسفية، كما ينبعث منه أيضا غبار ساهم بشكل فعال في تراكم الأوساخ بالمدينة.

 

إن هذه الوضعية المزرية والخطيرة في وقت واحد والتي لم تتحرك السلطات المنتخبة أو المحلية لمعالجتها والحد من آثارها الكارثية على مدينة برمتها هي في وضعية الاحتضار قد تصدم الكثير منا، لكن المواطن اليوسفي يتعايش معها رغما عنه، أعني به المواطن الذي لم يجد وسيلة للهروب إلى خارج اليوسفية، للإقامة في المدن المجاورة كمراكش أو آسفي أو الجديدة أو الدار البيضاء نظرا لفقره، كما لاحظنا ذلك عندما قمنا بجولة في عدة أحياء من المدينة المنكوبة، أو لعجزه مادام أن معظم ساكنة اليوسفية هم من الذين اشتغلوا في الفوسفاط وأفنوا زهرة شبابهم في استخراج هذه الثروة الباطنية لعقود ولما أحيلوا على التقاعد، لفهم النسيان وتركوا فريسة للتهميش والفقر.

 

لقد كانت الصورة أو المشهد أكثر سوداوية ودراماتيكية، عندما قمنا بزيارات متفرقة للأحياء التي قال لنا مرافقنا عنها إنها تعتبر نموذجا صارخا على سياسة التفقير والتهميش التي نهجتها الحكومات منذ عقود في حق هذه المدينة بذريعة أنها كانت تمثل بؤرة للاحتجاج الذي كانت تستغله المعارضة السابقة في صراعها مع الدولة. فكان الجواب هو أن ضرب حولها الحصار ولفها التعتيم الإعلامي، ولم يعد المواطن المغربي يعرف عنها شيئا إلا من خلال رياضة «الجمباز» عندما كانت تنجب أبطال وبطلات الجمباز أيام الثمانينات.

 

جل الأحياء الشعبية كحي «بوكراع» و«الزلاقة» و«الريطب» و«الداخلة» و«الحي الحسني»، وحي «الفوسفاط» الذي تعتبره الساكنة أرقى حي بالمدينة، تعيش تحت ظل بنية تحتية مهترئة، الأزقة والطرقات غير معبدة ومليئة بالأوساخ والغبار والأحجار، والإنارة غير كافية والحفر في كل مكان، مدينة يمكن تصنيفها كما قال مرافقي ابن اليوسفية وبالدرجة الأولى في مصاف المدن المنكوبة، نظرا لحجم الإهمال والتهميش وغياب العناية التامة التي منيت بها اليوسفية من طرف من أنيطت بهم مسؤولية تسيير شؤونها المحلية.

 

مدينة تعيش في ظل فوضى وغياب أبسط ضروريات التنظيم انطلاقا من محطة الطاكسيات والسوق الأسبوعي والأزقة والشوارع القليلة، حتى أن الخيال يذهب بك بعيدا، فتشعر أنك في منطقة نائية ومعزولة عن العالم.

 

في جولتنا بالإدارات والمرافق العمومية التي تعد على الأصابع، تعود بك إلى زمن الستينات، وتجعل الزائر ينسلخ من عالمه الراهن ليلقى به في أتون أوضاع إدارية لا علاقة لها بالمفهوم الجديد للسلطة ولا بسياسة القرب ولا بكل المبادرات والأوراش التي قام بها العهد الجديد، من أجل النهوض بالمواطن المغربي وإدماجه في وتيرة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يشهدها العالم.

 

مدينة بمرافق وإدارات لا تلبي حاجيات المواطنين الضرورية، ولم تحظ بعد بوجود عمالة كما كان يتطلع إلى ذلك السكان، باعتبارها ركيزة من ركائز الاقتصاد الوطني وبوصفها ثاني مدينة فوسفاطية بعد خريبكة، فهي تابعة إداريا لعمالة إقليم آسفي، ولا توجد بها إلا باشوية ومركز للشرطة ومقر للدرك الملكي، وبلدية ومحكمة ابتدائية، وليس بوسع المواطن اليوسفي في هذه الحال إلا الانتقال إلى آسفي إذا كان بحاجة إلى تخليص معاملة أو متابعة ملف خاص بمحكمة الاستئناف، حيث لا توجد محكمة استئناف باليوسفية. فأين هو مفهوم اللامركزية وتقيرب الإدارة من المواطنين، مادام أن أغلب مواطني اليوسفي ينتمون إلى الفئات الفقيرة إذا لم نقل المعدمة، وليس بإمكانهم تحمل نفقات التنقل إلى آسفي أو إلى أي مدينة أخرى مجاورة؟ بل إن الكثير منهم لم يترك اليوسفية منذ أن ولد بها إلى اليوم. وحتى وكالات بعض الأبناك الموجودة بالمدينة فإنها غير قادرة على استيعاب جل زبنائها حيث يمكنك أن ترى الطوابير الطويلة والازدحام المنقطع النظير أيام استخلاص الرواتب والمعاشات.

 

أما بالنسبة للمدارس فأظهرت جولتنا حجم البؤس الذ يتعيش فيه، مدارس عمومية يوجد عدد منها في حالة مهترئة كمدرسة «الوحدة» التي قمنا بزيارة حول محيطها وحدثنا مرافقنا عن أقسامها ومراحيضها وإدارتها. أما بعد الحصول على شهادة الباكلوريا ولمتابعة الدراسة بالتعليم العالي لمن استطاع إلى ذلك سبيلا - يقول مرافقي - فلا يوجد أمامه سوى كليات مراكش أو آسفي أو الجديدة حسب التخصص. ولا يوجد بالمدينة إلا مركز واحد للتأهيل المهني لا يتوفر إلا على بعض التخصصات. أما معهد للتكنولوجيا فغير موجود. ومن كان يريد الدراسة في هذا التخصص فما عليه سوى الانتقال إلى آسفي.

 

أما بالنسبة للمرافق الصحية، فإنها في حكم المعدوم، مادام أن قليلها الموجود بالمدينة لا يفي بحاجيات السكان ولا يلبي أبسط الضروريات، في وقت لازالت مصحة الفوسفاط مغلقة مذن سنوات في وجه العمال والمتقاعدين وعموم المواطنين، حيث كانت هذه المصحة أيام اشتغالها المتنفس الوحيد للسكان الذي يخفف عنهم معاناتهم مع الأمراض. أما المستشفى الوحيد بالمدينة والتابع لوزارة الصحة والذي تم بناؤه مؤخرا فهو غير كاف لسد حاجيات السكان والقرى المجاورة، ويعاني المواطنون باليوسفية من تدهور خدماته. جانب آخر يتعلق بالرياضة والترفيه، يكشف مرافقنا عنه قائلا بيقين تام، «إن الرياضة بالمدينة شبه منعدمة»، فلا يوجد ملعب لكرة القدم يليق بمقام المدينة باستثناء ملعب الفوسفاط. كما لا يوجد إلا مسبح واحد، ولا وجود إلا لسينما وحيدة هي السينما «الحمراء» والتي يرجع بناؤها إلى العقود الماضية، ومغلقة منذ عدة أعوام لأسباب مجهولة، ولا توجد إلا حديقة واحدة تابعة للمكتب الشريف للفوسفاط.

 

فالخلاصة التي خرجنا بها من زيارتنا لمدينة اليوسفية، هي أنه لا وجود لبنية حقيقية اقتصادية واجتماعية وثقافية ورياضية، تليق بمقام المدينة كمدينة فوسفاطية شاءت الأقدار أن تظل تحت التهميش لعقود طويلة، فلا كليات لمتابعة الدراسة ولا معامل ولا استثمارات لتشغيل الشباب الذي اختار أكثره قوارب الموت على البقاء ضحية البطالة، هذا في غياب إعطاء إدارة الفوسفاط الأولوية في التشغيل لأبناء المنطقة. كلها أسباب وغيرها كثير، ساهمت في تردي الأوضاع الاجتماعية والمادية والنفسية لساكنة اليوسفية، وساهمت في ارتفاع معدل الفقر والبطالة، وجل من أحيلوا على التقاعد غادروا المدينة إلى مدن أخرى مجاورة، بعد أن يئسوا من تغير الأحوال إلى أفضل وطال عليهم الأمد دون طائل لكي يتحرك المسؤولون المحليون أو الحكومة لإصلاح أوضاع المدينة.

 

وعندما انتقلنا رلى القريتين المجاورتين لليوسفية تبين لنا أنهما لا تمتان إلى عالمنا بصلة، فأحوال السكان والمنازل والأزقة تعود إلى ما قبل التاريخ. فمن يتحمل المسؤولية يا ترى؟

 

مدينة اليوسفية الغنية بثرواتها الباطنية، الفقيرة نتيجة إهمالها من طرف المسؤولين، أصبحت مدينة المتقاعدين الذين لم يسعفهم الحظ لمغادرتها، ومدينة الفقراء والمتسولوين، ومدينة التهميش المتعمد.

 

فيتساءل مواطنو هذه المدينة المنكوبة عن نصيب مدينتهم من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ونصيبهم من عائدات الفوسفاط، ونصيبهم من المشاريع والبرامج التي تم التوقيع عليها مؤخرا ببن جرير والتي استفادت كل من خريبكة وبن جرير بنصيب الأسد منها.

 

أسئلة كثيرة يطرحها سكان هذه المدينة، بعد أن صرح المدير العام للمكتب الشريف للفوسفاط لجريدة «ليكونوميست» مؤخرا عن استفادة خريبكة وبن جرير من مشروعي المنجم الأخضر والمدينة الخضراء، دون أن يأتي على ذكر اليوسفية التي يشعر سكانها أنه حكم عليهم مرة أخرى بالتهميش.

 إن الكرة إذن تبقى في ملعب إدارة الفوسفاط، والأيام كفيلة بالجواب عن كل الأسئلة والانتظارات والمطالب التي رفعها سكان اليوسفية في وجهه الحكومة والمسؤولين المحليين.