الثلاثاء 18 شتنبر 2018 - العدد : 4266 لوحة المفاتيح العربية






مرحبا بكم ! أنتم الزائر رقم
5967841
إعلانات تهمك


تناقلت  وكالات ألانباء العالمية يوم الاثنين 22 دجنبر 08 نقلا عن وكالة المغرب العربي للأنباء خبر اكتشاف مواد أركيولوجية هامة بالمدينة العتيقة لأسفي في عملية "استبار أثري" هي الأولى من نوعها.

الكشف من شأنه إعطاء قيمة مضافة لمشروع  رد الاعتبار للمدينة العتيقة  وتعزيز الجاذبية للمنطقة التي تعد القلب النابض لحاضرة المحيط  

كللت عملية "استبار أثري" هي الأولى من نوعها بالمدينة العتيقة لأسفي باكتشاف العديد من المواد الأركيولوجية الغنية والمهمة.



ومن بين المواد المكتشفة, حسب ما تمت معاينته بموقع "الاستبار الأثري" المحاذي للكنيسة البرتغالية بالمدينة العتيقة, أواني خزفية "جرار كبيرة" ترجع إلى العصور الوسطى تستعمل لتخزين المواد الغذائية وكذا عدة مستويات ل"الاستيطان" سابقة على مرحلة الوجود البرتغالي (القرن 16) وقنوات من الفخار دقيقة الصنع تستخدم في التزود بالماء الصالح للشرب وبنية للتخزين تستخدم لتجميع مياه الشرب.


وستمكن عملية تدقيق وتأريخ مستويات هذا الموقع الأثري والمواد المكتشفة به, والتي تنكب عليها نخبة من الأطر المغربية, من كشف بعض جوانب الغموض التي تكتنف تاريخ المدينة العتيقة لأسفي وما تكتنزه من أسرار.


وقد حددت عملية "الاستبار الأثري" هاته, التي يشرف عليها أطر المديرية الجهوية للثقافة بجهة دكالة-عبدة بتعاون مع ولاية الجهة, كهدف لها تدقيق كرونولوجية هذا الموقع وكشف مستويات الاستيطان به وتحديد مستويات البنيات القديمة للكنيسة البرتغالية واستكشاف آثار "المسجد الأعظم" الذي بني في عهد الدولة الموحدية.


وسيتم استكمال هذه العملية في مرحلة ثانية خلال بدء أشغال تهيئة الكنيسة البرتغالية التي تندرج في إطار مشروع رد الاعتبار للمدينة العتيقة لأسفي.


ويذكر أن الكنيسة البرتغالية, التي تتميز بفنها المعماري القوطي, شيدت سنة 1519 ميلادية من طرف البرتغاليين بالقرب من "المسجد الأعظم", وقد تعرضت للهدم من طرف البرتغاليين لدى خروجهم من أسفي ولم تصمد من معالمها سوى أجزاء بسيطة أعيد ترميمها.

من المفيد أيضا إعادة تحديد السور الموحدي وترميم ما تبقى منه باعتبار أن غالبية السور البرتغالي جاء على أنقاض السور الموحدي ومازال باب الأقواس بأسفي شاهدا على هذه الثنائية التي يحملها هذا الباب بجمالية وبخصوصية هندسية نادرة.

  

على عكس مما يعتقد، فلم تعش أسفي تحت الاحتلال الفعلي للبرتغال سوى ما يقارب 33 عاما ابتداء من 1508م حتى سنة إخلائها في 20 أكتوبر 1541م بعدما استخلصت من قبل السعديين القائمين وقتها على مملكة مراكش، وكان خروج البرتغال بصفة تلقائية من أسفي على خلفية ضغط الأحداث بمنطقة السوس بحصن أكادير، وهو الأمر الذي توقفت عنده العديد من الدراسات المغربية والبرتغالية وفصلت في أحداثه وخلفياته الاقتصادية والعسكرية التي جعلت البرتغال يغير بوصلة سياسته التوسعية الخارجية نحو وجهة أخرى باتجاه الساحل الإفريقي وأمريكا اللاتينية.


لقد استبق التواجد البرتغالي على ساحل المراسي والثغور الأطلسية، تواجد مغربي بالبرتغال، وهو الاسم الذي أطلقه العرب على مدينة في مصب نهر دورو ثم أصبح يطلق فيما بعد على مملكة البرتغال، وتفيد الوثائق التاريخية في هذا الصدد بأن لشبونة كانت تابعة للخلافة الأموية في عام 1009م، وشهدت البرتغال أيضا تواجد ثم سقوط الحكم المرابطي، بعدها حاول السلطان أبو يعقوب يوسف الموحدي استرجاع البرتغال إلا أنه انهزم بأسطوله أمام لشبونة ومات جراء جراحه، وسيفقد المغرب بعد ذلك كل أثر لتواجده في الغرب البرتغالي.


لقد أجمعت كل الدراسات والمراجع التاريخية على قياس التواجد البرتغالي بالمغرب في حدوث ثلاثة قرون على شكل حركة توسعية منظمة ومدروسة ومخطط لها بأهدافها العسكرية والاقتصادية، فسيشهد المغرب مع سنة 1415م وصول أسطول بقيادة يوحنا الأول مركبا من 220 قطعة إلى سبتة، وبعد وفاته ستحتل طنجة سنة 1437م، وخلال ولاية الملك ألفونص الخامس سيقرر احتلال القصر الصغير عام 1458 وسيصل حتى أنفا التي هاجمها سنة 1472م، وبينما كان المغرب يعيش نزاعات على الحكم بفاس احتل ألفونص أصيلا في 24 غشت 1471م.


ومع عام 1486م، خلف يوحنا الثاني ألفونص الخامس وبسط نفوذه على أزمور وبعده جاء خلفه إيمانويل الأول ليتوسع جنوبا نحو ساحل أسفي التي لم تكن حينها سوى مرسى المغرب باعتبارها المنفذ الأطلسي لمملكة مراكش أيام السعديين، ولو أنها كانت مستقلة الحكم عن فاس ومراكش وعاشت دخول البرتغال وتوسعهم وبعد ذلك احتلالهم تحت قيادة حكم محلي برئاسة عائلة آل بني فرحون وبعدهم تحت رئاسة يحيى بن محمد أوتعفوفت أمير ناحية أسفي تحت حكم وإمرة مملكة البرتغال.


وقد نقلت العديد من المراجع التاريخية بتفصيل وباختلاف ثانوي في الروايات العديد من فصول هذا المسار وهذه الأحداث، وتبقى المستندات الغميسة في تاريخ المغرب لدوكاستر أحد أهم المراجع الأجنبية قربا ودقة


البئر والضريح قبل أن تحيط به مياه المحيط أثناء المد

ضريح شاشكال ، الحج المزعوم  نسجت حوله الأساطير، وذهب البعض إلى نعته بحج المسكين طقوس  كانت تقام بعين المكان ، وتوارت مع مرور الزمان 

 بالقرب من  شاطئ  الكاب ، جماعة البدوزة ، بإقليم أسفي ، وعلى الطريق الساحلية أسفي -الجديدة  ،  يوجد ضريح سيدي شاشكال، أو سيدي" أشقال" حسب التسمية التي يطلقها أبناء المنطقة  ، فهو ضريح ليس على غرار عدد من الأضرحة المنتشرة بمختلف ربوع أسفي، إذ يشكل هذا الضريح التميز و الاستثناء ، يتربع على أعلى صخرة ،  ليس بداخله تابوت ، بجواره كوخ أعمدته مشكلة من صخور منحوتة ،يرجح أن يكون مسجدا إذا اعتبرنا المحراب في الداخل ، أو مكانا للتنسك والاختلاء .

 يستقطب سيدي شاشكال في اليوم التاسع من شهر ذي ا لحجة من كل سنة ،  أي اليوم الذي يسبق عيد الأضحى المبارك ، عددا كبيرا من جموع المواطنين الدين يقصدون الموسم الذي يقام بجواره من اجل التسوق أساسا لشراء لوازم العيد  ، والبعض القليل من سكان المنطقة  يعاني مشاق النزول قصد زيارة الولي "المزعوم" الذي نسجت حوله الأساطير، فقد ذهب البعض إلى نعته بحج المسكين من خلال مجموعة من الطقوس التي كانت تقام بعين المكان وتوارت مع مرور الزمان ، وبتعاقب الأجيال ظن بعض الأحفاد أن  تلك الزيارة بمثابة  حج (مصغر) فهم يطوفون حول الضريح ، ويشربون من بئر بجانبه يعتبرونها زمزما .

وتقول الرواية الشفهية لبعض رواد المكان ، كون هذه الزيارة في يوم عرفات بالذات وفي المكان المذكور يقصد منها التخفيف من  وطأة من لم يستطيع إلى الحج سبيلا ،  فخلال المعاينة الميدانية يظهر انه  لم يبق من ما يطلق عليه بحج المسكين سوى ما يحكى من كلام مبهم ، أو بعض الاستثناءات لكهول حاولوا تجسيد معاني الخرافة على أرض الواقع  اختفت  أثارها في حياة الزوار، وتوارت معالم المكان  تحت رمال الشاطئ ،في الوقت الذي لازالت بعض الطقوس تحتفظ بها الذاكرة الشعبية لساكنة المنطقة التي اجتاحتها نفحات تصحيح الشأن الديني  من خلال حملات توعوية استمدت جذورها من  محاربة السلف لها مند سنة 1200 م /598 ه  ، وعلى رأسهم  الشيخ  أبي محمد صالح الماكري المؤسس الحقيقي للطريقة الصالحية الذي التزم أصحابه وأتباعه بالحج دون اعتبار عنصر الاستطاعة وتوفير الأمن، ومساعدة الضعيف والمريض والعاجز. ومن تم كان اجتهده  في تفسير الاستطاعة، معتمدا على أقوال بعض أقطاب الصوفية  . وفي الجمع بين تشجيع أهل البلد و المغاربة على


 انجليز وفرنسيين في رحلة صيد بأسفي

خلال سنة 1902، قام الصحفي الفرنسي ديسكوس ليون أوجين أوبان بزيارة للمغرب، بدأها بطنجة في شهر شتنبر ومنها دخل الصويرة بحرا وانطلق في رحلته للتعرف على المغرب وعلى أحواله السياسية والاقتصادية، حتى تمكن من فهم المغرب القبلي والسياسي والجغرافي.

  

استطاع أوبان أن يسجل بدقة عالية التفاصيل، تمكن بنجاح من اقتحام عوالم خفية في حياة المغرب قبل مائة سنة وقد كان لكتاباته وقع كبير داخل المجتمع الفرنسي الذي كان ينشر في صحافته فصول رحلته إلى المغرب في جريدة النقاشات ومجلسة باريس... ثم جمعت تلك الحلقات الصحافية وطبعت في كتاب سنة 1904 بعنوان: «مغرب اليوم».

 

بعد خروج أوبان من الصويرة التي خصها بعناية فائقة من حيث دقة المعلومات المدونة، اتجه إلى أسفي عبر جبل الحديد مرورا ببلاد الشياظمة، وقد اعترف في كتابه بالصعوبات التي لاقاها في قافلته والمتمثلة في قلة الدواب بسبب التعبئة العامة التي كانت معلنة في كافة أنحاء المغرب لمواجهة فتنة بوحمارة، حيث ساهم القائد العبدي عيسى بن عمر في هذه المواجهة بفريق مختار من قبائل عبدة.

 

يقول أوجين أوبان: «وبعد قطع وادي تانسيفت دخلت القافلة في بلاد عبدة فتغيرت مظاهر الطبيعة اختفت أشجار الأركان وتكاثرت الحقول، وأخذت الفضاءات المزروعة تتسع شيئا فشيئا على حساب الأشجار التي لم يعد المسافرون يعثرون على قليل منها إلا بعد قطع مسافات كبيرة. وتظهر ضيعات فلاحية لملاكين كبار اقتسموا الأرض واستوطنوها، تبدو ديارهم بقعا بيضاء في وسط البادية المخضرة، إلى جانب العزبان التي لا تقل عنها سعة، لكن لا يسكنها المالكون وإنما يأتون إليها من حين إلى آخر، وقد وقفنا على أهمية مشاركة اليهود المغاربة في هذه العزبان الكبرى، إذ كان أحدهم، وهو تونسي الأصل يدعى لالوز، يملك ست عزبان ثلاث منها في قبيلة أولاد سلمان بضاحية أسفي»، وهي الضيعة التي توقف فيها أوبان كضيف على اليهودي لالوز الذي وصفه وصفا دقيقا، من لباسه العربي حتى تصرفه مع العمال والقياد، إلى وصف أراضيه وتجهيزاته من مياه وحبوب وأعداد الخماسين والمياومين.

 

حين دخل أوبان أسفي، وصف الشاطئ المستدير وآثار مرقب برتغالي قديم على جهة الشمال، والمدينة حيث الدور السكنية فوق نتوء صخري ينحدر نحو البحر، ومن داخل القصبة يبصر عند قدميه شلالا ضيقا من الدور البيضاء منبسطة السطوح شديدة الانحدار بين سورين متوازيين محصنين ببروج مسننة، تنبثق وسطهما كتلة الصومعة المربعة الفريدة، وإلى اليمين واد عميق يضم قبابا وأكواخا مبعثرة هنا وهناك وسط الخضرة، والى اليسار ربض رباط الشيخ أبي محمد صالح مقر مستودعات التجار.

 

أخذ المؤلف بهذا المنظر العجيب فحكم على أسفي بأنها أجمل مدينة شاطئية بالمغرب،


 

تتجلى أهمية أسفي وتبرز درجة اندماجها في المجال الوطني من خلال شبكة التيارات التي تنسجها الحركات السكانية و تبادل المهاجرين( الريفيين و الحضريين على السواء) بينها و بين المناطق الريفية المجاورة من جهة و مع الحواضر الأخرى من جهة ثانية.

 

استقبلت هذه المدينة خلال الفترة الفاصلة بين الإحصائين الأخيرين  (  1971و 1982) ما يزيد عن 30 ألف مهاجر، نصفهم من أصل ريفي و النصف الأخر من مصدر حضري، مساهمة إقليمها في هذا التيار مرتفعة تقدر ب 45 في المائة من مجموع المهاجرين. أغلبيتهم 86 في المائة ينحدرون من الجماعات القروية المحاذية للمدينة أي قبائل عبدة و الشياظمة الشمالية على الخصوص و تستقبل الباقي من الأقاليم المجاورة (مراكش 6 في المائة ، الصويرة 6 في المائة، الجديدة 4في المائة، خريبكة 3.5 في المائة أكادير 3في المائة إلخ..) فيما يخص المهاجرين الحضريين تأتي ولايتا الدار البيضاء و الرباط في المرتبة الثانية بنصيب يقدر ب 10 في المائة بعد مراكش تأتي في المقدمة بنسبة تفوق 12 في المائة. المدن الأخرى التي لها روابط قوية و منتظمة نسبيا في هذا الميدان مع أسفي هي اخريبكة، أكادير الصويرة . هذه الوضعية تدل على أن المجال أو البيئة الجغرافية و البشرية التي تنمو في إطارها مدينة أسفي منحصرة في الجنوب المغربي وأن العلاقات التي تربطها بهذا المجال مبنية إلى حد كبير على الحوار الجغرافي وعلى الإرث التاريخي (مراكش) او حتميات الاقتصاد الحديث (الدار البيضاء  خريبكة).

 

و في الاتجاه المعاكس  ، تشارك مدينة أسفي بدورها في تموين تيارات كثيفة للهجرة نحو بعض المدن الرئيسية تأتي طبعا الدار البيضاء في مقدمتها و يتوزع مهاجرو أسفي نحو المدن على الشكل التالي :

 

v     الدار البيضاء- المحمدية       : 51%

 

v     الرباط -سلا                      : 13%

 

v     مراكش                           : 10%

 

v     أكادير                              : 08%

 

v     القنيطرة                          : 04%

 

v     المدن الأخرى                   : 14 %

 v     المجموع                        :100 %

v  

    

فالملاحظ هنا ، و ليس بغريب، أن تستقطب مدن ما يسمى بالشريط الحضري الساحلي ( الدار البيضاء –المحمدية – الرباط – سلا – القنيطرة) أكثر من 3/2 المهاجرين الذين غادروا أسفي خلال فترة 1971-1982 نظرا لقوة جاذبيتها على الصعيد الوطني.

 يمكن تقييم مكانة أسفي في الشبكة الحضرية المغربية انطلاقا من ميزان مبادلاتها في ميدان الهجرة مع المدن المشار إليها أعلاه. بالنسبة لمدن الجنوب أي مراكش و اكادير على الخصوص تسجل حصيلة إيجابية وضاحة ذلك أنها تستقبل ما هاتين المدينتين أكثر مما تبعث إليهما من عدد المهاجرين، فعلاقتها مع مراكش هي علاقات تقليدية لم ينل منها الزمن و لم تغيرها ترقية أسفي كعاصمة إقليمية إذ مازال نفوذ مراكش وإشعاعها الحضري قويا في الجزء الشرقي و الجنوبي لإقليمها الإداري.و تختلف الأشياء تماما عندما يتعلق الأمر بحصيلة مبادلاتها مع الدار البيضاء و الرباط اللتين تعتبران الملجأ الرئيسي الذي يقصده مهاجرو أسفي كأغلبية المهاجرين الريفيين و الحضريين الذين ينطلقون نحوهما من جميع مدن و مناطق المغرب. فإذا اعتبرنا على سبيل المثال تيارا نموذجيا يتكون من 100 مهاجر من كلا الاتجاهين، فأكثر من 90 من هؤلاء يقصدون الدار البيضاء (انطلاقا من أسفي) مقابل 10 مهاجرين فقط لفائدة أسفي (انطلاقا من الدار البيضاء) . فهذا دليل على أن البنية الاقتصادية لمدينة أسفي، رغم بعض المشاكل الظرفية التي تعاني منها، هي أرقى و أمتن من تلطك التي تمتاز بها بعض المدن التقليدية كمراكش ، و لكنها أقل متانة وحيوية من تلك التي تستفيد بدون منافس مدينة الدار البيضاء، ز كدليل أخر على هذا المستوى

الصورة لميناء أسفي سنة 1917

 

بعد مغادرة البرتغال، استمر ميناء أسفي مفتوحا على التجارة الأوربية، وهو الميناء الذي وصفه فالنتان فرنانديز بالأهم على الساحل، وهي نفس الفترة التي عرفت توافد القناصلة والسفراء إليها قادمين إلى ساحة السلطان، فاستقرت مجموعة منهم بأسفي حسب ما تؤكده حالة غيوم بيرار الذي مثل فرنسا هنري الثالث من 1577 إلى 1588 لدى المولى عبد المالك الفائز في معركة الملوك الثلاثة

  

خصصت مجلة «مغربنا» التي كانت تصدر في عهد الحماية، عددين خاصين عن مدينة أسفي ما بين 1949 و1953. ومن بين الدراسات التاريخية التي احتوى عليها أحدهما، نجد مقالا للمؤرخ والعالم النفساني شارل بانز الحاصل على الدكتوراه في الآداب والأستاذ المحاضر بالمعهد العالي للدراسات المغربية الذي تخصص، بحسه الأكاديمي البارز، في إظهار الجوانب الخفية والقيمة –على حد وصفه- من تاريخ المغرب القديم.

  

بالموازاة مع فترة الحماية الفرنسية على المغرب وما رافقها من اهتمام متزايد بخيراته الطبيعية والاقتصادية ومكانته الجيو ـ استراتيجية، خاصة موقعه في أقصى شمال غرب القارة الإفريقية، برز تيار وسط النخبة الفرنسية جعل من المغرب اختصاصا في مجال البحث العلمي، فأنجزت


                   أسفي: تاريخ مفتوح للنقاش 

 لا يعرف بالضبط العصر الذي تأسست فيه مدينة أسفي، فهي قديمة قدم التاريخ نفسه. حيكت حول تأسيسها واشتقاق اسمها روايات كثيرة، ففرانسو بيرجي ذكر أن سكان مدينة صور الفنيقية أنشأوا بأسفي وكالة تجارية في القرن 12 قبل الميلاد. وأسكنوا فيها المهاجرين الكنعانيين الذين طردوا على يد الغزاة العبرانيين. وأطلقوا على هذه المدينة اسم أعظم سيد مقدس ببلد كنعان وهو آسف. أما ليون كودارد فيذهب إلى جعل مدينة أسفي من بين خمسة مرافئ أسسها حانون القرطاجي، وهذا ادعاء لا يمكن القطع بصحته نظرا للشكوك التي أحيطت بتقرير رحلة حانون القرطاجي. ويشير مونيي إلى أن نص رحلة حانون عبارة عن أكبر أكذوبة في تاريخ الملاحة للعصر القديم. وجاء على لسان الحسن الوزان في كتابه «وصف إفريقيا» أن مدينة أسفي بناها الأفارقة الأقدمون.

ونجد ذكر تاريخ أسفي عند ابن خلدون الذي أكد أن استقرار الأمازيغ بالمدينة كان منذ أحقاب قديمة يصعب تحديدها، ويذهب البكري في نفس اتجاه ابن خلدون حيث قال إن كلمة أسفي مشتقة من الكلمة الأمازيغية - أسيف - التي تعني مجرى مائي. وبالفعل فإن مدينة أسفي يخترقها وادي الشعبة (أسيف) ويصب فيها.

 

 وقد كان الأمازيغ قبل الإسلام يشيدون المنارات على الشواطئ لهداية السفن الأمازيغية أثناء عودتها ليلا. ويمكن أن يكون بهذا البلد بعض هذه المنارات، التي تعني بالأمازيغية أسفو،  فسمي بها. وربط الإدريسي أصل اسم مدينة أسفي بقصة فتية سماهم المغررين، خرجوا من أشبونة (لشبـونة) وركبوا البحر المظلم ليقفوا على نهايته فوصلوا إلى  موضع أسفي، ولما رآهم جماعة من الأمازيغ، وعرفوا أمرهم، قال زعيمهم وا أسفي تحسرا على ما قاسوه فسمي المكان بتلك الكلمة.

وبعيدا عن التضاربات في أصل تسمية مدينة أسفي، فإن الأكيد هو أنها حظيت منذ القدم بأهمية بالغة حتى أن اسمها ورد


   


كان للشريط الساحلي الرابط بين الجديدة جنوبا وأسفي شمالا أهمية كبرى من حيث حصيلة التحريات الأثرية، سواء التي أنجزت عليه في بداية القرن أو التي مازالت غابرة علميا رغم وفرة المعطيات الجيولوجية والمادية التي تؤشر إلى وفرة الآثار التاريخية.

  

ولعل أبرز ملاحظة يمكن أن يستنتجها العابر العادي لهذا الشريط هي وفرة الأضرحة وقباب الأولياء من تيط (مولاي عبد الله) وسيدي عابد وسيدي موسى وأولاد غانم حتى الواليدية وأيير والعكارطة إلى رأس كنتان مع سيدي محمد شراحل المتواجد على قمة صخرة ثم الصالحة لالة تساوت وسيدي بوشتة ولالة فاطنة محمد ثم سيدي بنكرارة إلى سيدي بوزيد في باب آسفي الشمالي، ونتقدم جنوبا لنجد سيدي بوزكري وسيدي الخدير وسيدي بوذهب والجزولي وللاعائشة مريم وسيدي قاضي حاجة، حتى نصل إلى أقصاهم على مشارف وادي تانسيفت سيدي دنيال.

 

 إن هذا الكم الهائل والمثير لقباب الأضرحة وعلى الساحل لم يأت اعتباطا مع التاريخ، إن هذا المجال هو وعاء أثري جد هام مازال يثير فضول عدد من الدارسين لكونه لم يحظ بكامل العناية العلمية، رغم أن المنطقة وردت في نصوص تاريخية جد قديمة وبالغة الأهمية، فقد أوردها حانون الرحالة الشهير ضمن كتبه باسم رأس صوليس الذي اتفق الباحثون الأثريون على أنه رأس كنتان، وفيه يقول حانون في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد المسيحي: «بنينا به معبدا للآلهة بوزيدون إله البحر»، وهو نفس التطابق نجده عند الباحث شارل تيسو الذي أشرف على تحريات وأبحاث ميدانية على الساحل المغربي في أواخر القرن التاسع عشر.

  وفي دراسة لمحمد المجذوب ضمن سلسلة بحوث ودراسات دفاتر دكالة-عبدة، نجده يعتمد على أبحاث شارل تيسو في تحديد المعالم الأثرية البارزة، ومنها نجده يصف أعماله وصفا دقيقا ومتسلسلا من تيط حتى آسفي: «ثم انتقل إلى مدينة تيط فلاحظ أن الساحل المتقابل معها صالح لرسو السفن، وفيه مياه عذبة، وتحدث عن كثرة الحفر المنحوتة في الصخر في ضواحي تيط، ورجح أن الأمر يتعلق بمقبرة تعود إلى الفترة البونية كان يستعملها